الفيض الكاشاني
20
سفينة النجاة والكلمات الطريفة
يسطرونها في الدّفاتر ، ويعونها كما يسمعونها ، ويحفظونها كما يتحمّلونها ، ويبالغون في نقدها وتصحيحها ، وردّ زَيغها وقبول صحيحها ، وتخريج صوابها وسليمها من خطاءها وسقيمها حتّى يرى أحدهم لا يستحلّ نقل ما لا وثوق به ، ولا إثبات ذلك في كتبه إلّامقروناً بالتّضعيف ، ومشعوفاً بالتّزييف ؛ طاعناً فيمن يروي كلّ ما يروى ، ويسطر كلّ ما يحكى ؛ ويظهر هذا لمن يتّبع كتب الرّجال ، ويتعرّف منها الأحوال . وكانوا يعتمدون على الخبر الّذي كان ناقله منحصراً في مطعون ، أو مجهول ، وما لا قرينة معه تدلّ على صحّة المدلول ، ويسمّونه خبر الواحد الّذي لا يوجب علماً ولا عملًا . وكانوا لا يعتقدون في شيء من تفاصيل الأصول الدّينيّة ، ولا يعملون في شيء من الأحكام الشّرعيّة إلّابالنّصوص المسموعة عن أئمّتهم - عليهم أفضل الصّلوات - ولو بواسطة ثقة ، أو وسائط ثقات . وكانوا مأمورين بذلك من قبل أولئك السّادات ، ولايستندون في شيء منها إلى تخريج الرّأي بتأويل المتشابهات ، وتحصيل الظّنّ باستعانة الأصول المخترعات الّذي يسمّى بالاجتهاد ، ولا إلى اتّفاق آراء النّاس الّذي يسمّى بالإجماع - كما يفعل ذلك كلّه الجمهور من العامّة - وكانوا ممنوعين عن ذلك كلّه من جهتهم عليهم السلام ومن جهة صاحب الشّرع بالآيات الصّريحة والأخبار الصّحيحة ، وكان المنع من ذلك كلّه معروفاً من مذهبهم ، مشهوراً منهم ، حتّى بين مخالفيهم ؛ كما صرّح به طائفة من الفريقين . قال ابن أبي الحديد في شرحه لنهجالبلاغة عند ردّه على من زعم : أنّ عُمَر كان أحسن سياسة وأصحّ تدبيراً من أمير المؤمنين عليه السلام ما محصّله : « إنّ عمر كان مجتهداً يعمل بالقياس والاستحسان والمصالح المُرْسَلة ، ويرى تخصيص عمومات النّصوص بالآراء وبالاستنباط من أصول تقتضي خلاف ما يقتضيه